الشيخ محمد الصادقي
176
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
بأخيه المختار ليدل المتخلفين من بني إسرائيل على مدى تخلفهم في فتنتهم « فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً » وليرقبوا على أنفسهم أشد من ذلك وأنكى ، حين يفعل الداعية بخليفته البريء عما فعلوا وهو اخوه ، يفعل هكذا ، فما ذا - إذا - يفعل بهم بما افتعلوا ، تعبيدا لجوّ التأنيب الشديد ، والأمر الإمر أن « اقتلوا أنفسكم » . وهذه سنة سنية في النهي عن شديد العصيان والتحذير عما يخلفه ، فهو من باب : إياك اعني واسمعي يا جاره ، وكما يخاطب اللّه نبيه أحيانا بخطابات تنديدية وهو يقصد الأمة المتخلفة . فليعلم عبدة العجل حينذاك انه ليس بتاركهم وقد فعل بأخيه البريء ما فعل لماذا لم يفارقهم اليه . وهكذا يوجّه قوله له كما يوجّه فعله وجاه هؤلاء المتخلّفين وليعلموا ان شرعة العدل لا تعرف نسبة ولا قرابة ولا خلافة في ظرف التخلف عنها ، فضلا عن أمة متخلفة هكذا ، وليعرفوا مدى عصيانهم لرسولهم ألّا مسامحة فيه ولا سماح عنه . ثم وكيف يعذر هارون عما قصّر إن قصّر خشية التفرقة بين بني إسرائيل ، وليست الوحدة مرغوبة إلا في ظلال التوحيد ، فحتى ان قتل دون منعهم عما افتعلوا لكان حقا رساليا بمسؤولياتها الدعائية الأصيلة ، وما الدعوات الرسالية إلا مفرقة بين الناس من متقبل لها أو معارض ، ثم موحّدة بين المؤمنين بها ، فكيف يعذر هارون ان قصّر بقوله « إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي » ؟ . انه وعظهم وندّد بهم حتى كادوا ان يقتلوه ، فلم يقصّر - إذا - في الدعوة ، ثم قتل الداعية انما يسمح فيه في شرعة الرسالة إن اثر في قبول الدعوة أم مزيد الحجة ، ولكن بني إسرائيل المعروفين بقتل النبيين لم يكونوا ليتأثروا بقتل هارون إلا حظوة لهم في البربرية إزالة لمن يصدهم ، وتقليلا